الملا فتح الله الكاشاني
78
زبدة التفاسير
قوله سبحانه : * ( ومَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّه إِلَّا الضَّالُّونَ ) * « 1 » . * ( فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّه إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ) * « 2 » . فذكر المشيئة لأجل ذلك . فالآية أرجى من كلّ آية ، كما قال أمير المؤمنين عليه السّلام : « ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية » . وقد روينا قبل عن ابن عبّاس « 3 » أنّه قال : ثمان آيات نزلت في سورة النساء خير لهذه الأمّة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت ، قوله سبحانه : * ( يُرِيدُ اللَّه لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ) * . * ( ويُرِيدُ اللَّه أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ) * . * ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه ) * . * ( إِنَّ اللَّه لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ) * . * ( ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَه ) * . * ( إِنَّ اللَّه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ) * في الموضعين . * ( ما يَفْعَلُ اللَّه بِعَذابِكُمْ ) * . فظهر من هذا التفصيل أنّ اللَّه تعالى يغفر الذنوب من غير توبة . وإذا انتقش هذا على صفحة الخاطر علم أنّ ما قال جار اللَّه في الكشّاف « 4 » من أنّ المنفيّ والمثبت في الآية موجّهان إلى قوله : « لمن يشاء » ، والمراد بالأوّل من لم يتب ، وبالثاني من تاب ، في غاية الفساد والبطلان ، لأنّه يكون حينئذ معنى الآية : أنّه سبحانه لا يغفر الشرك لمن يشاء وهو غير التائب ، ويغفر لمن تاب منه ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وهو التائب ، ولا يغفر لمن لم يتب منه ، فيصير المنفيّ والمثبت كما ترى سواء في الحكم والمعنى . وحاشا كلام الَّذي بهر العقول بفصاحته عن مثل هذه النقيصة الَّتي يأبى عنها كلام كلّ عاقل . على أنّ التوبة إذا أوجبت عنده إسقاط العقاب فكيف تعلَّق بها المشيئة ؟ ! جلّ ربّنا عن مثله ، وتقدّس عن شبهه . * ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَقَدِ افْتَرى ) * فقد كذب بقوله : إنّ العبادة يستحقّها غير اللَّه
--> ( 1 ) الحجر : 56 . ( 2 ) الأعراف : 99 . ( 3 ) راجع ص : 49 . ( 4 ) الكشّاف 1 : 519 - 520 .